عبد الشافى محمد عبد اللطيف
220
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
وهذا ما تصوره عمر بن الخطاب عندما أصدر أوامره الحاسمة للقادة المسلمين بعدم مواصلة الحروب ، فقد قال لسعد بن أبي وقاص - بعد انتصاره العظيم في معركة القادسية ، واستقراره في المدائن عاصمة الفرس عندما طلب الإذن بالاستمرار في الفتوحات - : « لوددت أن بين السواد وبين الجبل سدّا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم ، حسبنا من الريف السواد - أي : أرض العراق - إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال » « 1 » هذا موقف الخليفة في وضوح وحسم ، رجل يعرف ما يريد ويقدر مسؤوليته عن سلامة المسلمين ، التي هي عنده أفضل من الغنائم . وفي هذا السياق كان رفضه الحاسم أيضا أن يستمر عمرو بن العاص في الفتوحات في الشمال الأفريقي ، وكان قد وصل إلى طرابلس الغرب - كما أشرنا آنفا - وأمره بالعودة إلى مصر . ثم كان رفضه الأشد حسما لطلب معاوية بن أبي سفيان وإلى الشام بالبدء في إنشاء أسطول لحماية شواطئ المسلمين في الشام ومصر من هجمات الأسطول البيزنطي ؛ لأن الخليفة لم يكن يرى ضرورة لذلك في ذلك الوقت ، ولم يقبل كل المبررات التي ساقها معاوية بشأن جزيرة قبرص وما كانت تمثله من تهديد خطير للمسلمين في الشام ، وقال قولته الخالدة ردّا على مبررات معاوية : « واللّه لمسلم واحد أحب إليّ مما حوت الروم » « 2 » . هذا هو الخليفة العظيم الذي يحرص على سلامة الرجال ، ويخاف عليهم من الخطر فموقفه إذن موقف رجل يعلم ويدرك تماما خطورة هذه الأمور ، ويرى من واجبه الحفاظ على سلامة الرجال ، وليس جهلا منه بأمر البحر ، فهو قد مر بتجربتين بشأن الغزو في البحر ، كلتاها انتهت بكارثة بالنسبة للمسلمين ، ولعل ذلك كان له أثر في موقفه من نزول المسلمين إلى البحر ، فقد كان يرى أن الوقت لا زال مبكرا ، والاستعدادات لم تكن كافية ، وكان يريد أن يترك ذلك للمستقبل حيث يستعد المسلمون للنزول إلى هذا الميدان الخطير استعدادا جيدا . أما التجربتان اللتان مر بهما المسلمون بشأن الغزو في البحر فقد كانت الأولى هي غزوة العلاء بن الحضرمي لفارس من جزيرة البحرين ، وبدون علم الخليفة ، وكان
--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 4 / 28 ) . ( 2 ) تاريخ الطبري ( 4 / 259 ) .